الرواية المفقودة": مذكرات فاروق الشرع 1/3

الأحد, January 18, 2026
كاتب المقالة: 

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب "اﻟﺮواﻳﺔ اﻟﻤﻔﻘﻮدة" وهو عبارة عن مذكرات نائب الرئيس، وزير الخارجية السورية السابق، فاروق الشرع، والتي تتوقف عند وفاة حافظ الأسد. وإذا شئنا الدقة، فالكتاب يروي جانباً من مذكرات الشرع، وقسماً غير مستفيض من شهادته على مراحل مفصلية من تاريخ سورية وحزب البعث وصراعات السلطة وعلاقته بالأنظمة العربية والإقليمية والدولية، إذ يعترف المؤلف بأن "حياتي السياسية مهما وصفت بعدم فاعليتها السلطوية، كانت طويلة ومتحركة إلى درجة كافية لم تضطرني إلى اختلاق أحداث لم تقع أو تسجيل ادعاءات لم تحدث".

ولكن الكتاب المكون من تسعة عشر فصلاً ومقدمة، موزعة على 448 صفحة، هو الرواية السورية الأهم، إن لم نقل الوحيدة، عن جهود عملية التسوية، وتحديداً المفاوضات السورية الإسرائيلية، بدءاً من التحضير لمؤتمر مدريد الذي عقد في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1991 وانتهاء بقمة جنيف بين الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، والرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، في 26 آذار/مارس 2000، مروراً بقصة وديعة رابين، وكيف حاول الإسرائيليون التنصل منها، واتهام الشرع شخصيّاً بإفشال عملية السلام.

يقول الشرع في مقدمة الكتاب: "ألحّ عليّ أصدقاء وسياسيون وأكاديميون منذ سنوات أن أكتب مذكراتي، وكنت أؤجل الموضوع لأنني لا أملك رفاهية الوقت، على الرغم من أنني كنت ألحظ غياب أحداث مهمة وضعفاً في صدقية أحداث أخرى في بعض مذكرات مسؤولين آخرين، عرباً وأجانب، ولم تبقَ إلا الرواية السورية؛ الرواية المفقودة".

وهذه الشهادة ينشرها المركز في إطار خطته إصدار "ﻣﺬﻛﺮات وﺷﻬﺎدات" لشخصيات من "الفاعلين السياسيين والاجتماعيين العرب الذين انخرطوا بحكم مواقعهم أو مبادراتهم في الحوادث المصيرية العربية الكبرى". وصدر منها حتى الآن "الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988: مذكرات مقاتل" لرئيس الأركان العراقي الأسبق الفريق نزار الخزرجي، وكتاب "محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية" لرئيس أركان الجيش العراقي من عام 1944 وحتى عام 1951 الفريق صائب صالح الجبوري.

والجدير ذكره أن المذكرات جاهزة منذ عام 2011 وقد ساهم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مع الكاتب فاروق الشرع في تحريرها قبل اندلاع الثورة السورية.

المذكرات شهادة تاريخية مهمة، ولن يكون بعد صدورها غنى عنها لأي باحث ومهتم، ولأي دبلوماسي عربي وغير عربي. وقد يؤخذ عليها أنها لا تتضمن تقييماً نقدياً لمرحلة حافظ الأسد وسياسته الداخلية. ولا ندري، ربما لم ير الكاتب أن هذا دوره في هذا الكتاب، وربما لا يمكنه أخذ المسافة الكافية، أو هو فعلاً مؤيد لسياسات حافظ الأسد. لكن قيمة الكتاب لا تكمن في ذلك، بل في المعلومات الغزيرة وسردها من قبل سياسي فاعل، تمكّن في الوقت ذاته ألا يكون جزءاً من لعبة الفساد والأجهزة الأمنية.

وتقدم "العربي الجديد" على مدى ثلاث حلقات، ملخصاً للكتاب ومقدمة ناشره، نظراً لتكثيفها أهمية الكتاب وظروف كتابته، كما ستقدم، في الحلقة الثانية والثالثة، جزءاً من رواية المؤلف لقصة المفاوضات الإسرائيلية – السورية، وقصة وديعة رابين، وسبب فشل قمة جنيف.
تبدأ المذكرات بسرد قصير عن مرحلة الطفولة والصبا، بعنوان "بين النكبتين 1948 – 1967"، يتحدث فيها عن مشاركته في مظاهرات نصرة فلسطين، عقب النكبة 1948 وفتوته في درعا التي لم يعرفها حتى صار عمره تسع سنوات، ذلك أنه ولد في محردة بريف حماة، بسبب عمل أبيه هناك، وتنقّله بين أرياف حماة ودمشق.

مع حافظ الأسد

ثم يتحدث المؤلف عن عمله في البنك العربي، وشركة الكرنك، وفي مؤسسة الطيران، ويروي كيف تعرف عام 1961، أثناء حكم الانفصال، على حافظ الأسد، ويقول: "تعرّفت إلى الطيار المُسرَّح حافظ الأسد المعين في وظيفة مدنية في مديرية النقل البحري. عرّفني إليه ضابط زميل له اسمه إبراهيم الرفاعي. تحدثنا عن الوحدة والانفصال السهل الذي حدث ومسؤولية حزب البعث الذي حلّ نفسه، ومسؤولية عبد الناصر الذي طالب بحلّه، وكان هذا سبباً كافياً أنّ الوحدة لم تعمّر طويلًا. أذكر أنّ حافظ الأسد كان قليل الكلام، لكنه لا يتوقف عن التدخين". وكيف نمت هذه العلاقة بعد استيلاء البعث على السلطة في 8 مارس/آذار عام 1963 بسبب عمل الشرع في مؤسسة الطيران التي كانت تتبع آمريّة الطيران التي يقودها حافظ الأسد.
"ومما لا شك فيه أنّ عملي كأحد المديرين في شركة الطيران العربية السورية، آنذاك، ساعدني بحكم تبعية هذه الشركة إلى وزارة الدفاع، على التواصل مع الوزير حافظ الأسد الذي لم تنقطع اتصالاتي به حتى عندما أصبحت مديراً إقليميًا لشركة الطيران السورية في لندن، في أعقاب حرب حزيران/يونيو 1967".

وتضيء المذكرات جوانب غامضة من شخصية الرئيس حافظ الأسد، وعلاقته بالرئيس صدام حسين، وبرئيس منظمة التحرير ياسر عرفات، وبأخيه رفعت الأسد، وغيرهم، كما تكشف تفاصيل أحداث مهمة، كمحاولة اغتيال الأسد من قبل الإخوان المسلمين، والتي كان شاهدًا عليها: "زار الرئيس النيجيري حسين كونتشي سورية، كان إلحاحه كبيراً علينا في أن يزور مقام الصحابي بلال الحبشي، مؤذن الرسول في دمشق. عند انتهاء زيارة الرئيس النيجيري في 26 حزيران/ يونيو 1980 كنت إلى جانبه في انتظار قدوم الرئيس الأسد لاصطحابه من قصر الضيافة إلى المطار. فجأةً ونحن نودّع الرئيس النيجيري على الدرج الضيق الخاص أمام قصر الضيافة وقع الانفجار. أبعد الرئيس الأسد بشكل عفوي القنبلة الأولى بقدمه، بينما ارتمى مرافق الرئيس الخاص اللواء خالد الحسين بجسده على القنبلة الثانية".

سنوات الاختبار

عين الشرع سفيرًا في إيطاليا 1976 وكان أول ما واجهه هو هجوم جماعة أبو نضال على مبنى السفارة.
بعد تعيينه وزير الدولة للشؤون الخارجية عام 1980، يشير الشرع إلى اختلافه مع توجهات وأفكار وسلوكيات وزير الخارجية، نائب الرئيس عبد الحليم خدام، ولا سيما دوره السلبي في اقتتال أمل وحزب الله، وأمل والفلسطينيين. ويروي صدامه الأول معه في المؤتمر القومي الثالث عشر في آب/أغسطس 1980، فقد دعا خدام إلى "قطع العلاقات مع من لا يقف مع جبهة الصمود، وطالب بسحب موافقة سورية على قراري مجلس الأمن 242 و338، أكدتُ أن هذا الموقف سيؤلّب المجتمع الدولي ضد سورية، وأوضحت أن الدولة العربية الوحيدة التي ستقف معنا في هذه الحالة هي ليبيا.
 

الرئيس الأسد عندما تكلم لمدة أربع ساعات، استخدم أكثر من مرة بعض عباراتي وسط ذهول الجميع، وتأييدهم له، وفي مقدمتهم خدام نفسه الذي أشاد بسرعة بحنكة السيد الرئيس وبُعد نظره وصواب رؤيته تجاه قرارات الأمم المتحدة. أما خارج قاعة المؤتمر، فقد طلب الرئيس ألا آخذ كلام خدام بجدية".

كما يروي الشرع جانباً من سلوكيات خدام: "في الرحلة القصيرة بين صنعاء وعدن، ضحكنا (الرئيس الأسد والوفد المرافق) كثيراً على عبد الحليم خدام، وهو يغافل الرئيس صالح في المطار، ويختطف من يديه مسبحة بآلاف الدولارات، كما قال صالح، وهو يركض خلف خدام لاستعادتها من دون طائل".

المصدر: 
العربي الجديد
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

6 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.