النشر الورقي يواجه تحديات رقابية واقتصادية

تتوزع التحديات التي تواجه قطاع النشر في المنطقة العربية بين نوعين أساسين، هما: «التحديات الرقابية» و«التحديات الاقتصادية». وأظن أن الرقابية أعقد، وأثرها أعمق، وربما تؤثر بصورة أكبر في الناشرين والكتاب في كل الدول العربية، ما عدا استثناءات نادرة. وأثر الرقابة متعدد؛ فهي لا تعرقل فقط إصدار العديد من الكتب أو تعوق نشرها أو انتشارها، بل هي في الأساس تشكل -مع الحواجز الجمركية- أزمة حقيقة تمنع تشكل سوق عربي موحد للكتاب يضم 500 مليون فرد، ويفتح آفاقًا اقتصادية هائلة أمام هذه الصناعة. فدخول الكتاب من بلد عربي لبلد آخر تعطله أحيانًا الرقابة على المطبوعات في بلد الإصدار، ثم تعود وتعرقله الرقابة في بلد الوصول -التي قد تصادره- مترافقة مع الجمارك وصعوبات الشحن وارتفاع تكاليفه؛ بسبب الامتداد الواسع للمنطقة العربية. وفي الحقيقة تقوم العديد من الدول العربية بتخفيف قيود الرقابة على الكتاب في السنوات الأخيرة وتقلل من التابوهات المحرم تناولها في الكتب، ولكن في المقابل تظهر تابوهات جديدة، وتزيد سطوة الرقابة الذاتية بين الكتاب والناشرين أنفسهم.
تذبذب أوضاع المكتبات
على صعيد «التحديات الاقتصادية» فإن سوق النشر يواجه تشكيلة من التحديات؛ أهمها تذبذب أوضاع المكتبات العامة والجامعية والمدرسية، ففي أغلبية الدول العربية تتراجع ميزانيات هذه المكتبات، أو تتحكم فيها التوجيهات السياسية والتحولات التكنولوجية، حيث تدفع بعض الأنظمة التعليمية العربية -ومنها مصر- الجامعات للتحول إلى المكتبات الإلكترونية فقط، وهو ما سبّب صدمة نسبية في سوق النشر الجامعي. الأزمات الاقتصادية والموجات التضخمية، التي مرّت على دول عربية عدة في السنوات الأخيرة، أثرت أيضًا بشدة في القدرات الشرائية للقُراء العرب من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ودفعتهم إما إلى وضع اقتناء الكتب في ذيل قائمة الأولويات، أو إلى التوجه لسوق الكتب المستعملة أو «المقرصنة».
وتُعَدُّ «قرصنة» الكتب إحدى التحديات الكبرى التي تواجه صناعة النشر في الدول متوسطة النمو. حيث يترافق ضعف آليات تنفيذ القانون مع ارتفاع سعر الكتب، وضعف متوسط الدخل، إضافة إلى اقتصار منافذ توزيع الكتب «المقننة» على مراكز المدن الكبرى فقط، وهو ما يخلق بيئة خصبة لنمو وحركة عصابات طباعة وبيع الكتب «المقرصنة»، التي توسعت من العمل في بلد واحد إلى تشكيل عابر للدول. هؤلاء يختارون الكتاب الناجح في كل بلد عربي فتطبع بأقل التكاليف، وتوزع محليًّا وتسافر شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا تحت أغطية قانونية مختلفة.
المعارض العربية
وينقلنا هذا الحديث إلى موضوع المعارض العربية التي تزيد من دخل دور النشر العربية. من جهة، فإن أعداد المكتبات ومساهمتها في مبيعات الناشرين تتعرض لاهتزازات مع توتر الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بعض الدول. ومن جهة أخرى، فإن كثيرًا من المؤسسات توجه ميزانيات اقتناء الكتب للمعارض من دون الدخول في مناقصات وآليات شراء معقدة، وهو ما يجعل هذه المناسبة الثقافية سوقًا كبيرًا لاقتناص الصفقات، أكثر منها مناسبة ثقافية. ويقود ذلك إلى تركيز أنشطة دور النشر على المعارض، وهو ما يؤثر بشدة في بقية أنشطتها المفترضة في الواقع الثقافي.
وعلى هامش بعض المعارض العربية يُعلَن الكثير من الجوائز التي تسهم في تسليط الضوء على بعض الأعمال الجيدة، لكنها للأسف تلعب دورًا في الترويج لأنماط محافظة من الكتابة سواء البحثية أو الإبداعية. وفي بعض الدول تغلب آليات المجاملة وشبكات تبادل المصالح على لجان الجوائز، وهو ما يفقدها مصداقيتها، وفي حالة أو حالتين بارزتين أصبحت الجوائز وسيلة لغسيل السمعة وترويض المثقفين تحت سيف المنع من الوصول للجائزة ولجانها ودعوات السفر، إلخ.
الذكاء الاصطناعي
قبل أشهر عدة شاركت في دورة تدريبية حول الذكاء الاصطناعي في تونس مع عدد من الناشرين من وتونس وإفريقيا جنوب الصحراء والدول العربية، وقد خرجت منها بانطباعين؛ الأول: أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه -حتى اللحظة- أن يستبدل العنصر البشري، وبخاصة أن مستويات تدريبه على اللغة العربية ما زلت متواضعة مقارنة باللغات الأخرى. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع التدقيق اللغوي ولا التحرير ولا التأليف في اللغة العربية بمستويات تقارب كفاءة البشر. والانطباع الثاني أن الذكاء الاصطناعي له فوائد أخرى عدة ستفيد دور النشر بشدة على أصعدة عدة، سواء في تنظيم عملها وفي تجهيز مواد دعائية وفي تحليل بيانات المبيعات والمخازن، إلخ. وبالتالي فإن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح مثل قطار إلى المستقبل يجب ألا يفوت من يرغب في البقاء.
وبناء على ذلك قمنا في دار صفصافة بعمل تدريبين -بواسطة أكاديمي متخصص في التقنيات الجديدة- لموظفي صفصافة على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وبالفعل بدأنا استخدامه في مهام محدودة لتحليل البيانات، ونأمل أن نتوسع في استخدامه في المهام غير الإبداعية خلال المرحلة المقبلة.
الترجمة
أتفق مع من يقول: إن كثيرًا من الأعمال التي تحصل على دعم للترجمة من المؤسسات المانحة ليست من أفضل المستويات الإبداعية، ولكن هذا يرجع في الأساس إلى اختيارات دور النشر التي تنشر بالعربية. وتفاوت مستويات الأعمال المترجمة أمر متوقع بسبب تفاوت مستويات القراء؛ فهناك جمهور لأدب الرعب، كما أن هناك جمهورًا لروايات باتريك موديانو (نوبل 2014م)، أو آني أرنو (نوبل 2022م)، وهما يعدّان من كتاب النخبة. ولا أظن أن هناك آلية لجعل هذا المجال أكثر احترافية إلا بصحافة نقدية مستقلة، تستطيع انتقاد الأعمال المتواضعة. فعندما تحولت الصحافة الثقافية إلى عروض الكتب، والمقالات الاحتفائية والمجاملة، لم تعد هناك عين كاشفة تستطيع أن تصنف الأعمال المنشورة، أو تسلط الضوء على مشكلاتها، بما يحفز على تطوير الكاتب لإبداعه، وتحسين المترجم لمهاراته، والناشر لمطبوعاته.

إضافة تعليق