بعض مظاهر أزمة النشر في المغرب

تزامن ظهور دور النشر العربية الأولى، مع حلول القرن التاسع عشر، عبر انطلاق بعض المؤسسات المختصة في كبريات مدن الشرق العربي – مثل القاهرة وبيروت وبغداد- التي سارعت إلى الانخراط في عمليات تعميم المعرفة والثقافة. وكانت في مقدمتها مطبعة بولاق التي أنشأها، في القاهرة محمد علي عام 1820م، ومطبعة بيروت التي أطلقها الآباء اليسوعيون في عام 1840م، ومطبعة البستاني التي دشنها بطرس البستاني في عام 1850م.
وفي المغرب تأخر ظهور المطبعة الحجرية إلى عهد السلطان المولى الحسن (ت: 1894م) التي وصلته هدية من القاضي محمد الطيب الروداني، أحد الحجاج المغاربة، وقد اشتراها من تركيا. وكانت فرنسا التي احتلت الجزائر منذ 1830م قد جلبت لإدارتها مطابع عصرية بالحرف الفرنسي لأغراض إدارية ودعائية تهمها.
من الرفض إلى البناء المؤسساتي
وإذا كانت نيتنا الاقتصار على التأريخ لظاهرة الطباعة في المغرب سيكون علينا أن ننظر في الأطروحة التي أنجزها العراقي الدكتور فوزي عبدالرزاق في جامعة هارفارد الأميركية، ونشرها تحت عنوان: «مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب» (1990م)، وهو الكتاب الذي رصد فيه موقف المغاربة من التكنولوجيا الآتية من الغرب المسيحي ورفضهم استخدام الطباعة العصرية خشية مما قد يمكن أن يصيب القرآن الكريم من تصحيف وتحريف لمضمونه ومساس بقدسيته، علمًا أنهم قد تعرفوا إلى أهمية الطباعة منذ القرن السادس عشر عندما بلغتهم منجزاتها عبر الرحلات والسفارات.
على أن هذا الموقف المبدئي لم يمنعهم من التعاطي مع منجزات المطبعة قراءة وتداولًا، بل وممارسة مهنية كانت تدرُّ عليهم بعض الأموال. بل كانت بداية القرن العشرين سبيلهم إلى نشر جريدة في مدينة طنجة بعنوان: «لسان المغرب»، كانت لسانهم للرد على «جريدة السعادة» التي أطلقتها المفوضية الفرنسية لمناهضة سياسة السلطان المغربي. وسوف يجري استعمال الطباعة في أعقاب ذلك لتجاوز البنية التقليدية لنظام التعليم المغربي العتيق عبر استعمالها في نشر الكتاب المدرسي وتطوير طرائق التلقي البيداغوجي، واتخاذها أساسًا في سبيل إشاعة الأفكار الإصلاحية وتقوية ممكنات الوعي الوطني.
وفي أعقاب حصول المغرب على الاستقلال (1956م) عاشت حركة النشر ركودًا متواصلًا؛ بسبب غياب البنيات التحتية من مطابع ووسائل النشر وآليات التوزيع، وهو ما أثَّر سلبًا في القدرة الإنتاجية وفي جودة المطبوعات. كما أن غياب الكفاءات المهنية، من محررين ومصممين، كان له دور حاسم في هذه الوضعية. ثم هناك أيضًا محدودية سوق الكتاب الناتجة عن ضآلة أعداد القراء وانتشار الأمية ومحدودية التعليم. وأخيرًا قلة المكتبات التي من المفترض أن تساهم في ترويج الكِتاب عندما يجد طريقه إلى النشر.
لكن في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ستظهر جملة من دُور النشر المغربية التي على قلة عددها وتواضع إسهاماتها ستحاول النهوض بدورها في تأثيث المشهد الثقافي والأدبي والحفاظ على الهوية الوطنية. ومع أن المعلومات بصدد إصداراتها ضئيلة وغير متواترة؛ بسبب غياب التوثيق الرقمي الشامل وقلة الوجود على الإنترنت، فإننا يمكن أن نذكر أولى تلك الدور، وهي: دار الثقافة، بالدار البيضاء، التي أنشأها اللبناني نزار فاضل مع بداية الاستقلال، ودار الكتاب، التي أقامها وطنيون مغاربة في الحقبة نفسها تقريبًا، متبوعتان بدار النشر المغربية، التي أسسها الإعلامي المغربي محمد برادة، أواسط الستينيات، وعُدَّت من أنشط دور الطباعة والنشر وأطولها عمرًا. وذلك قبل أن تهلّ سنوات الثمانينيات التي ستشهد انطلاقة جملة من الدُّور الوطنية ذات الحضور اللافت في تاريخ النشر بالمغرب. نذكر من بينها: منشورات عكاظ (1981م)، ومؤسسة بنشرة (1982م)، ودار إفريقيا الشرق (1983م)، ودار توبقال (1985م)، ودار الفنيك (1987م). وصولًا إلى التسعينيات التي توجت بظهور دُور لامعة قدرًا وكيفًا، مثل: دار الأمان (1991م)، دار البوكيلي (1993م) ودار السلايكي (1994م).
على أن هذا التكاثر المتزايد لدُور النشر في الساحة المغربية لم يكن مصحوبًا بسلاسة وسهولة في عمليات الطبع والتوزيع لأسباب موضوعية متعددة كانت ناجمة في معظمها عن حداثة التجربة ونقصان الوسائل المادية والمهارات التقنية. ولذلك احتاج ميدان النشر إلى تكاثف الجهود الفردية والمؤسساتية التي مهَّدت أمامه الطريق ومنعت استفحال المصاعب الميدانية من كل نوع.
أزمة النشر من القارئ إلى المؤلف
ومن بين مظاهر أزمة النشر بالمغرب، التي لا يزال بعضها قائمًا إلى اليوم، يمكننا أن نقف عند طاقم متعدد الأطراف؛ يبدأ بالمؤلف، ويتواصل بالناشر والموزع، وينتهي بالقارئ الذي يشكل آخر حلقة وأضعفها في هذه السلسلة المترابطة. ولعل الحكمة تقتضي منا أن نبدأ بهذا العنصر الأخير؛ لأنه يمثل في رأينا نقطة حاسمة في عملية النشر.
إن انخفاض ثقافة القراءة، بين مختلف الفئات العمرية، يعود لسبب أساسي أول هو انخفاض القدرة الشرائية الذي جعل الكتاب بعيدًا من متناول القارئ من الفئات المستضعفة، بل الطبقة المتوسطة كذلك. يضاف إلى ذلك تراجع الإعلام الثقافي في مجال الدعاية للكتاب خلافًا لما كان عليه الأمر في السابق، وهو ما جعله يشكل عقبة أمام تنشيط دورة الكتاب من طبع ونشر وتوزيع وقراءة.
ومن جملة الأشياء، أن القارئ المغربي لا يصرف سنويًّا أكثر من 35 درهمًا على اقتناء الكتاب الثقافي، وهو الشيء الذي يجعل المغرب تُصنف في رتبة متأخرة عالميًّا (33) في مجال القراءة بحسب إحصائيات البرنامج الدولي لتقويم المتعلمين (2022م). وهو ما يؤكد ما سبق أن ذكرناه بصدد ضعف التنشئة القرائية التي تقف وراءها في المقام الأول الحالة المتردية للمدرسة العمومية.
وأما المؤلف نفسه فيعيش عزلة متزايدة ويشتكي من قلة الإقبال على إنتاجاته التي تراجعت قيمتها الربحية وتضاءل، مقارنة بالإقبال الذي كان في الماضي. فبعد أن كان يحصل من الناشر على ربع سعر الغلاف، في أعقاب عملية النشر والتوزيع، أصبح مطلوبًا منه اليوم أن يساهم في تكلفة الطبع، ولا ينال سوى نسخ معدودة برسم المكافأة (العمولة).
ونتيجة هذا الوضع أن المؤلف صار يلجأ إلى عملية النشر الذاتي التي تفرض عليه دفع كامل تكلفة الطبعة، وهي في الوقت الراهن تتجاوز 3000 د، مقابل 100 نسخة من الكتاب الواحد، على ألا يتوقع في أفضل الأحوال ربحًا يقع بين 15% و20% وليس أكثر من ذلك؛ بسبب ضآلة فرص التسويق الناجمة عن احتكار التوزيع. وكل ذلك يجعله مضطرًّا إلى خيارات أخرى.
فهناك من يجازف في عملية التوزيع الفردي للمنشور الذاتي، حيث يقع المؤلف ضحية التوزيع المجحف للشركات (أكثر من 50% من سعر الغلاف) أو المتقشف للمكتبات والأكشاك (25%). وفي الحالتين يلاحظ تدهور حالة المرتجعات، بحيث لا تعود صالحة في الأغلب للتداول أو القراءة. وهناك من يلجأ إلى طريقة البيع قبل الطبع حيث يعتمد المؤلف على المتطوعين من أصدقائه ومعارفه الذين يقبلون على اقتناء الكتاب قبل صدوره مساهمة منهم في حل مشكلة المؤلف مع المطبعة والموزع؛ على أن يضمن لهم الحصول على النسخة عند صدورها؛ وهو أمر ليس فيه أي شيء مؤكد. وهناك من يلجأ إلى دور النشر العربية، فيواجه مشكلات أخرى، مثل: عدم تحديد مدة زمنية لعمليات الطبع والتوزيع، وعدم الحصول على تعويض مهما قلَّتْ قيمتُه.
وزارة الثقافة وسياسة دعم الكتاب
سيبدو لأول وهلة أن المؤسسة الرسمية في المغرب، المعنية بأمر النشر، وهي وزارة الثقافة، لا تولي اهتمامًا كافيًا بدعم هذا القطاع. غير أن الواقع العياني يحيلنا إلى جملة من الحقائق الدامغة التي في مقدمتها أن وزارة الثقافة المغربية تواصل ممارسة سياستها المرسومة منذ عقود عدة لمواكبة عمليات النشر عبر مجموعة من المبادرات التي ترمي إلى تشجيع التأليف والنشر وتوفير دعم مالي سنوي للمشاريع الثقافية وجعل الكتاب متاحًا لأوسع شريحة من المواطنين وبأنسب الأسعار.
وتتسع لائحة المستفيدين من هذه المبادرة الرسمية لتشمل القطاعات التالية: دعم الناشرين في المجال الثقافي والتربوي بمنحة سنوية جاوزت في هذه السنة مبلغ مئتي مليون درهم (أكثر من 22 مليون دولار). دعم الموزعين للمشاركة في حضور المعارض العربية والدولية بهدف الترويج للكتاب المغربي بمبلغ يجاوز أربعة ملايين درهم. ودعم المجلات الثقافية بمبلغ قارب المليون درهم. وتضاف إلى ذلك مبالغ مهمة أخرى لدعم النشر الخاص بالأشخاص غير المبصرين، ودعم مكتبات البيع، وتأمين مشاركة الكتاب المغاربة في إقامة المؤلفين، والمساهمة في إطلاق وتحديث المجلات الثقافية الإلكترونية… إلخ
غير أن هذه الجهود التي تبذلها الوزارة المعنية لم تسلم من النقد والمساءلة الموضوعيين، وفي مقدمة ذلك أن صرف هذه المبالغ يتم لصالح الناشرين تحديدًا، وليس للمؤلفين ذوي المصلحة الأولى في الدعم. وكان من نتائج هذا الدعم أن دور النشر المغربية لم تعد تطبع على نفقتها الخاصة، كما هو متوقع من شركات ربحية، بل صارت تنتظر الحصول على الدعم السنوي قبل أن تباشر عملها. وتسوّغ الوزارة هذا الاختيار بكون القانون هو الذي يفرض عليها التعامل حصرًا مع المؤسسات الاقتصادية (الناشرين) وليس مع المؤلفين لصعوبة أو استحالة محاسبتهم ومتابعتهم في حالة الإخلال بالتعاقد.
بينما ينتقد المؤلفون الوزارة لأنها لا تتوفر على جهاز لمراقبة الناشرين، من حيث الأسعار التي يقررونها للكتب والتي تكون في العادة مرتفعة ولا تتناسب مع القدرة الشرائية للقراء، وكذلك غياب رقابة على عدد نسخ الكتاب الواحد التي قد لا تكون متناسبة مع مبلغ الدعم الممنوح لدار النشر. وفي غياب هذه الرقابة يبقى الباب مشرعًا أمام حصول التجاوزات من كل نوع، ويكون الخاسر الأول والأخير هو القارئ.
ومن جهتهم يشكو الناشرون من جملة من العوائق التي تقلص في رأيهم من نتائج جهودهم وتعرقل سبل تواصلهم مع القراء، وفي مقدمتها: ارتفاع تكاليف الطبع، التي تشمل غلاء الورق والمواد الأولية، وكذلك مصاريف التصميم والطباعة. وينعكس كل ذلك على ثمن بيع الكتاب للعموم وطغيان الطابع التجاري الصرف على معاملات دور النشر المغربية التي صارت تكرس العمل على الكتاب المدرسي في المقام الأول.
كما يشكو الناشرون من ضعف شبكة توزيع الكتاب في المغرب بسبب هيمنة شركة أو شركتين على سوق التوزيع، وهو ما أدى إلى الاحتكار ورفع التكلفة إلى نحو 50% من سعر النسخة الواحدة، وصعوبة استقطاب المكتبات النظامية لقطع الطريق أمام تدخلات الأكشاك ونقط البيع العشوائي. ونتيجة لذلك يضطر بعض الناشرين إلى اللجوء للتعامل المباشر مع المكتبات في المدن الكبرى، مع ما يفرضه ذلك من مصاعب التواصل والمحاسبة واستحالة أن يشمل توزيع الكتاب جميع مناطق التراب الوطني.
كما يشكو الناشرون من تأخر مواعيد صرف مبالغ الدعم التي تقررها الوزارة نتيجة التعقيدات الإدارية وهيمنة النزعة البيروقراطية، وهو ما يؤثر سلبًا في مواعيد النشر والتوزيع. وهناك أيضًا مشكلة القرصنة التي صارت عملة رائجة في تجارة الكتاب مع ما تعنيه من ضياع حقوق المؤلفين والطابعين والناشرين.
حصاد النشر المغربي
يمكن تلخيص جميع هذه المشكلات في ضعف المهنية وسيادة الارتجال، وهو ما أسفر عن تدهور العلاقة بين مختلف الفاعلين: من مؤلفين وناشرين وموزعين. غير أن النظر الموضوعي في هذه المسألة يقودنا إلى تأكيد أن معظم اختلالات النشر في المغرب كان يجري، على الدوام، تجاوزها بفضل النوايا الحسنة للعاملين في هذا القطاع؛ إذ كانوا يحرصون على تخطي منطق الربح الخالص والانخراط في مجهود وطني لنشر الثقافة، عبر طبع ونشر وتوزيع الإنتاجات الأدبية والفكرية، وطرحها في السوق بأسعار مقبولة لا ترهق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود.
تركة معرفية وثقافية
والخلاصة التي نقف عليها اليوم -بعد كل هذه العقود- تدلنا على النجاح، النسبي بالتأكيد، لهذا المسعى وتضعنا أمام تركة معرفية وثقافية لا ينكرها سوى جاحد. وسنقوم فيما يلي برسم صورة تقريبية لهذه الجهود الحثيثة عبر استقصاء بياني لما أنجزته دور النشر المغربية في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين التي نجم عنها ظهور أدب مغربي حديث كان في حكم الغائب قبل هذا التاريخ، فإذا به صار له حضور لافت في النطاق العربي والإفريقي، ونال اعترافًا مستحقًّا في جميع الأوساط.
ومن جملة الأدوار الطليعية التي نهضت بها دار النشر المغربية، في الدار البيضاء، ابتداءً من أوائل الستينيات: نشرت دواوين الشعر الحديث الأولى للشعراء الرواد أمثال مصطفى المعداوي «ديوان المعداوي» (1963م)، ومحمد الحلوي (1965م)، ومحمد الحبيب الفرقاني (1965م)، وأحمد صبري، ديوان «أهداني خوخة ومات» (1967م)، ومحمد الميموني، ديوان «آخر أيام العقم» (1974م)، وعبدالكريم الطبال، ديوان «الأشياء المنكسرة» (1974م)، وأحمد بن ميمون، ديوان «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» (1974م). ونشرت المجموعات القصصية الأولى لكل من: محمد إبرهيم بوعلو «السقف» (1970م)، وأحمد المديني «العنف في الدماغ» (1971م)، ومحمد زنيبر «الهواء الجديد» (1971م). ونشر الروايات الأولى لكل من: عبدالله العروي «الغربة» (1971م)، ومحمد الحسايني «المغتربون» (1974م)، وخناثة بنونة «الغد والغضب» (1981م)، وعبدالقادر الشاوي «كان وأخواتها» (1986م).
ونشرتْ دار الكتاب بالدار البيضاء، في الوقت نفسه، الأعمال الأولى في القصة لكل من: محمد بيدي «سبع قصص» (1966م)، وخناثة بنونة «ليسقط الصمت» (1967م)، ورفيقة الطبيعة «رجل وامرأة» (1969م). ونشرت الروايات الأولى لكل من: مبارك ربيع «الطيبون» (1971م)، ومحمد البكري السباعي «المخاض» (1972م)، وأحمد زياد «بامو» (1974م)، وأخريات لكل من: محمد زفزاف «الثعلب الذي يظهر ويختفي» (1985م)، والديوان الأول لعبدالله راجع «الهجرة إلى المدن السفلى» (1976م).
وبعد أن ظهرت منشورات دار الستوكي بالفرنسية توجهت إلى النشر بالعربية لكل من: عبدالسلام الشرايبي «الحراز» (1981م)، وعبدالكريم برشيد «امرؤ القيس بباريس» (1982م)، وأحمد العراقي «عروة يحضر زمانه ويأتي» (1982م).
وأطلقت مؤسسة بنشرة بالدار البيضاء أيضًا، مع بداية الثمانينيات، أسماء صار لها وزن مع مرور الوقت مثل: الرواية الأولى ليوسف فاضل «الخنازير» (1982م)، وعبدالفتاح الفاكهاني «البئر» (1984م)، وعبدالإله الحمدوشي «الحالم» (1985م). وواصلت النشر لكتاب راسخين، أمثال: محمد زفزاف «بيضة الديك» (1984م)، ومحمد شكري «السوق الداخلي» (1985م). ونشرت الأشعار الأولى لعبداللطيف اللعبي «وأزهرت شجرة الحديد» (1982م)، وبنسالم حميش «ثورة الشتاء والصيف» (1982م)، وعبدالله زريقة «ضحكات شجرة الكلام» (1982م)، وأحمد بلبداوي «حدثنا مسلوخ الفقروردي» (1982م)، ومحمد الشيخي «عندما يتحول الحزن جمرًا» (1983م).
ونشرت الدار الناشئة نفسها الأعمال القصصية المبكرة لأحمد بوزفور «النظر في الوجه العزيز» (1983م)، والبشير جمكار «غيوم الصباح» (1983م). والمسرحيات الأولى لكل من: فاضل يوسف «سفر سي محمد» (1984م)، والمسكيني الصغير «سرحان» (1990م). وتولت دار توبقال بالدار البيضاء نشر أعمال مؤسسها الشاعر محمد بنيس مثل: «مواسم الشرق» (1985م)، و«المكان الوثني» (1996م)، و«نبيذ» (1999م). وصولًا إلى أعماله الشعرية الكاملة (2002م)، إلى جانب رواية غلاب «شروخ في المرايا» (1994م)، ومجموعة محمد عز الدين التازي «شمس سوداء» (2000م).
ودشنت دار الأمان بالرباط تجربتها بنشر مجموعة إدريس الخوري الأولى «حزن في الرأس والقلب» (1973م)، والرواية الأولى كذلك لحسن أوريد «الحديث والشجن» (1999م). وانصرفت دار البوكيلي بالقنيطرة لنشر المسرح خاصةً عبر نشر مسرحيتي عبدالحق الزروالي «زكروم الأدب» (1993م)، و«انصراف العشاق» (2002م). ونشرت عددًا كبيرًا من مسرحيات الطيب الصديقي، من بينها: «الفيل والسراويل» (1997م)، و«ولو كانت فولة» (1997م)، و«جنان الشيبة» (1998م)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» (1998م)، و«قفطان الحب» (1999م)، و«أبو حيان التوحيدي» (2000م). وبذلك كان لها قصب السبق في خوض تجربة النشر للمسرح المغربي الذي كان يعيش من دون ناشر تقريبًا لعقود عدة.
واتجهت دار السلايكي بطنجة إلى نشر أعمال لشباب الأدباء، فأخرجت مسرحية الزبير بنبوشتى «القفص» (1996م)، وديوان سعيد كوبريت «الباحات» (2000م)، ورواية عبدالسلام الطويل «مطر المنور» (2001م). ودعمت كبار الكتاب؛ فنشرت ثلاثة أجزاء من رواية محمد عز الدين التازي «زهرة الآس» (2003م). ونشرت دار الفنيك بالدار البيضاء نماذجَ من الشعر الطليعي، ممثلًا في دواوين عبدالله زريقة «سلالم الميتافيزيقا» (2000م)، و«حشرة اللامنتهى» (2005م)، وروايات عبدالقادر الشاوي «دليل المدي» (2003م)، و«من قال أنا؟» (2006م).
ونشرت دار أبي رقراق بالرباط روايات لكتاب جدد، أمثال: عبدالحي المؤذن «خطبة الوداع» (2003م)، و«حرب البسوس» (2006م)، للبشير القمري و«غوروغو» (2007م)، لإسماعيل العثماني و«رطانات ديك خلاسي» (2007م)، لإسماعيل غزالي. أمّا دُور النشر المغربية التي انخرطت في نشر الأعمال المكتوبة بالفرنسية فهي محدودة؛ إذ الأغلب أنها زاوجت بين العربية والفرنسية لأسباب تتعلق بالقدر المحدود، أو الذي كان محدودًا في وقت من الأوقات للكتابات بغير اللغة العربية.
ومن النوع الأول دار أطلنتيس التي تولت منذ أواخر الستينات نشر دواوين الشعراء المعبرين بالفرنسية أمثال عبداللطيف اللعبي (1967م) ومحمد الواكيرة (1972م)، قبل أن تختفي من خريطة دور النشر. ودار إديف التي غيرت اسمها فيما بعد إلى دار ملتقى الطرق، وقد نشرت بالفرنسية روايات لكل من عبدالكبير الخطيبي (1992م)، وإدريس الشرايبي (1994م)، وعبدالفتاح كليطو (1995م)، وبهاء الطرابلسي (1995م)، وهند الطعارجي (1998م)، ويوسف أمين العلمي (1999م)، ومسرحيات عدة للطيب الصديقي بين (1987م) و(1991م)، ونبيل لحلو بين (1997م) و (1998م).
أما الدُّور المزدوجة اللغة فكثيرة. منها: دار الستوكي التي عملت منذ ظهورها على نشر أعمال كثيرة بالفرنسية منها: دواوين لعبدالله بونفور (1980م)، وأحمد البوعناني (1980م)، ومحمد الواكيرة (1980م). ودار عكاظ التي نشرت بالفرنسية دواوين لكل من: محمد عزيز الحبابي (1988م)، وعبدالمجيد بنجلون الشاعر (1991م)، وبنسالم حميش (1992م). ودار الكلام التي نشرت روايات لموحا السواك (1988م)، وأحمد البوعناني (1990م)، ونور الدين الصايل (1990م). ودار الفنيك التي نشرت مسرحيات بالفرنسية لنبيل لحلو (1987م)، وروايات لكل من: محمد عفيفي (1988م)، وماحي بينبين (1994م)، وإدمون عمران المالح (1995م)، وفاطمة المرنيسي (1997م)، قبل أن تعود وتكرس اتجاه النشر بالعربية في بداية الألفية الثالثة. ودار مرسم كانت شبه متخصصة في الأدب المكتوب بالفرنسية في الحقبة الأولى من إنشائها، وقد نشرت لشاعرات مغربيات معبرات بالفرنسية (1996- 1997م)، ونشرت قصصًا لموحا السواك (2001م). لكنها تباطأت بعد ذلك في الاهتمام بالنشر العربي.
ونلاحظ، بالمناسبة، أن دُورًا معربة أصلًا ستعمد في بعض المرات إلى نشر أعمال مكتوبة بالفرنسية، مثل: دار النشر المغربية (1991م)، ودار إفريقيا الشرق (1992م)، ودار السلايكي (2000م)، ودار البوكيلي (2001م).
خلاصة المسار
هكذا تواصلت جهود دُور النشر المغربية انطلاقًا من أواخر الستينيات، وبداية السبعينيات في رحلة فتح الآفاق أمام الإنتاج الأدبي المغربي بطريقة متواترة، أحيانًا بدعم مؤسسي وأخرى من دونه، واستطاعت أن تبلغ به إلى المعارض العربية والدولية، وتتيح مكانًا ظليلًا له تحت شمس الثقافة الإنسانية.
وأشير على سبيل الاختتام إلى أننا اقتصرنا في هذا الجرد على دُور النشر الثقافية من دون المطابع التجارية التي تتعامل مع من يدفع لها، وليس لها لجنة قراءة أو تقويم، وهذا لا يستثني أن كُتابًا مغاربة كبارًا قد نشروا بها أعمالهم التي نالت ترويجًا لائقًا. وكذلك غضضنا الطرف، لأسباب عملية، عن منشورات الجامعات والوزارات والأحزاب السياسية، وكذلك الجمعيات الثقافية، مثل اتحاد كتاب المغرب بمختلف فروعه؛ لأنها جميعها لم تختص في النشر على وجه التحديد.

إضافة تعليق