انتقام هادئ
تحدث السراج عما كان يتعرض له من عذاب وإهانات ولم تغب عن ذهنه يوماً، وخاصة تلك الإهانة الأخيرة التي تلقاها من السجان عندما قال له: اخرج، ولكنك ستكون على الهامش. هذه الإهانة ولدت في نفسه الانتقام الشخصي لذلك، وعلى مدار السنوات التي عاشها بعد خروجه من السجن، كان يعتبر أي إنجاز يحققه هو رد على هذه الإهانة وكل ما مر به في السجن: "انتقامي الهادئ من كل أولئك الذين أهانوني في السجن كان بالعلم، فهو أداة للثبات وللتحدي". لذلك سافر إلى الولايات المتحدة بعد عام من إخلاء السبيل أواخر 1996م للالتحاق بعائلته هناك، وأعاد دراسته الجامعية، وقرر أن يدرس علوم الأحياء بعيداً عن الهندسة الكهربائية وذكريات اعتقاله من كليتها في دمشق، وانضم إلى جامعة ديبول في آذار 1997م، ثم جامعة إلينوي في شيكاغو 1998م. تخرج في أواخر 1999م، وفوراً دخل برنامج الدكتوراه في علم المناعة بالمركز الطبي لجامعة راش في شيكاغو 2001م، وتخرج في 2006م بأطروحة عن مرض الروماتيزم، وقضى سنتين في جامعة هارفارد 2006 - 2008م، في مرحلة ما بعد الدكتوراه، والتدريب على التصوير المجهري لخلايا الدم في الكائنات الحية.
من 2008 إلى 2013م عمل في أبحاث في المناعة وتأثيرها على زراعة القلب في جامعة نورث وسترن في شيكاغو.
حالياً يعمل في تدريس البيولوجيا وعلومها في عدة كليات بمدينة شيكاغو.
"من تدمر إلى هارفارد: رحلة سجين عديم الرأي"
يعد الكتاب شهادة حية من قلب السجن السوري، يسرد فيه د. براء السراج تفاصيل السنوات الطويلة التي قضاها في تدمر وصيدنايا، قبل أن يشق طريقه نحو جامعة هارفارد: "ليست مجرد مذكرات شخصية، بل هي وثيقة تكشف عن قسوة الاستبداد، وصمود الإنسان، وكيف يمكن للعلم أن يتحول إلى أداة للحرية والكرامة. حيث بين جدران الزنازين ودهاليز التحقيق تتكشف قصص الألم والصبر واللحظات التي كادت أن تطفئ الأمل، لكنها تحولت إلى دافع للمواصلة، الحياة والانتصار على القيد. ثم تأتي المرحلة الأخرى من الرحلة: الهجرة والاندماج في العالم الأكاديمي، لتؤكد أن من رحم المعاناة قد يولد الإبداع.
من تدمر إلى هارفارد كتاب عن الأمل بقدر ما هو عن الألم، وعن الحرية بقدر ما هو عن السجن. إنه حكاية إنسان، لكنه أيضاً مرآة لحكاية وطن، وصرخة في وجه النسيان".
وثيقة تاريخية
يقول السراج في مقدمة الكتاب: "قصتي هذه واحدة من قصص آلاف السجناء عديمي الرأي، هي قصة انتهاك لحقوق الإنسان بأبشع صورها، قصة اعتقال بلا مذكرة قانون، ودون موعد محاكمة، ودون معرفة الحكم، وتعذيب يومي، وحرمان من أبسط مستلزمات الحياة لسنوات، ومنع تام للسجين وأهله من معرفة مصير بعضهم بعضاً لما يقارب العقد من الزمن. لكن قصتي هذه ستضيف جوانب أخرى موثقة بصور، وخرائط، وبتواريخ بذلت جهداً خاصاً ألا أنساها - رغم قساوة السنين في السجن ومشاغل الحياة بعده. كنت أراجع هذه التواريخ في ذاكرتي عبر أيام السجن الثقيلة، وأراجع المشترك منها مع أصدقائي نهاية كل عام. لم أجرؤ على كتابتها في سورية بعد إخلاء السبيل".
ويضيف السراج قائلاً: "حاولت كثيراً أن أكتب تفاصيل السجن، لكن لم أستطع نفسياً، فكنت أنهي عدة صفحات وأتوقف. كتبت النسخة الأولى على عجل يومياً في القطار، في طريقي إلى العمل وعند عودتي منه. كان ذلك خلال سبعين يوماً مع بداية الثورة في سورية في 15 آذار 2011م، وكانت ملخصاً سريعاً وفاء بوعد إخراجه لمتابعي على تويتر. لكني كنت أدرك أن الغوص في التفاصيل سيتطلب وقتاً أطول بسبب ثقل الذكريات على النفس، فوجدت في كتابتها لمتابعي صفحتي على الفيسبوك خير وسيلة، ودافعاً يجبرني على ذلك. الفضل في كليهما يعود للأذهان الواعية التي تابعتني وتواصلت معي وحثتني ألا أتوقف. استغرق ذلك أربع سنوات بدءاً من أوائل 2012م إلى آخر 2015م. أبقيت مذكرات النسخة الأولى بترتيبها التاريخي - على أنها القسم الأول - مضمناً إياها الكثير من التفاصيل عن وقائع وشخصيات، وأتبعتها مسيرتي إلى هارفارد، التي يقتضيها العنوان والتي كانت غائبة في النسخة الأولى. وتضمن القسم الثاني قصصاً قصيرة، وخواطر، ومشاعر قد تتناقض، ومواقف تلقي ضوءاً على حياة السجن اليومية، التي عشتها وعاشها ويعيشها كل سجين سوري، معاناة وتحدياً وأملاً، ومن زاوية لا يستطيعها السرد التاريخي. أبقيت بعضاً باللغة العامية، لأنقل الصورة كما هي. أما القسم الثالث فهو وثائق أرفقتها بتعليقات مقتضبة. لم أرد من كتابتي هذه أي حبكة أدبية أو تشويق، وإنما وثيقة تاريخية لعل جيلاً قادماً يمنع تكرار هذه المأساة. ولولا الثورة في سورية لما نشرت هذه المذكرات، لكنه واجب وطني وإنساني فضح المجرمين أينما كانوا وحيثما حلوا".
يذكر أن كتاب "من تدمر إلى هارفارد" من إصدارات دار الفكر، ويقع في ٣٨٨ صفحة.
إضافة تعليق