المغول وصناعة العالم الحديث: هل كانوا حقا مرادفا للخراب؟

الثلاثاء, January 6, 2026
كاتب المقالة: 

ارتبط اسم المغول في الذاكرة التاريخية بالعنف والخراب، حتى غدا مرادفا للتدمير في المخيال العام. فهولاكو الذي غزا بغداد وأشعلها نيرانا، وتيمورلنك الذي عاد لاحقاً ليضع دمشق تحت وقع غزوه، شكلا صورتين مركزيتين رسختا هذه النظرة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان المغول فعلا كما صورتهم بعض كتابات المؤرخين؟ هل كانوا مجرد قبائل بربرية لا تعرف سوى الدمار؟ أم أن وراء هذه الصورة قصة أخرى لم ترو بالكامل؟
في القرن التاسع عشر، استخدم اسم المغول لتصوير آسيا وسكانها، على أنهم دونيون، بينما كانت قبائل المغول في الواقع أكثر تعقيدا مما يوحي به هذا التصوير. صحيح أنهم، دمروا مدنا وبلدانا، لكنهم في الوقت نفسه بنوا ونظموا وحكموا مساحات شاسعة امتدت من بغداد إلى الصين، في مرحلة عرفت لاحقا باسم «فترة السلام المغولي». ولعل هذا التعقيد في حياة المغول وتاريخهم هو ما كان محل اهتمام المؤرخ جاك ويدفورد في كتابه «جينكيز خان وصناعة العالم الحديث» ترجمة إيمان معروف.
تبدأ قصة المغول مع جنكيز خان، الرجل الذي يختلف عن كثير من القادة في التاريخ. فلم يسمح قط لاي شخص برسم ملامحه، أو نحت صورته، أو نقش اسمه على عملة معدنية. وبغياب أي صورة معاصرة له، ترك العالم ليتخيله كما يشاء. لم تظهر أولى محاولات تصويره، إلا بعد نصف قرن من وفاته، وحينها أسقطت كل ثقافة صورتها الخاصة عليه. صوره الصينيون شيخا ذا لحية خفيفة وعينين فارغتين، أقرب إلى حكيم شارد الذهن، فيما رسمه الفرس سلطانا تركيا جالسا على العرش، بينما قدمه الأوروبيون بوصفه نموذج البربري القاسي ذي النظرة الشرسة. وصف جنكيز خان بأنه رجل طويل القامة، قوي البنية، له ذقن خفيفة غزاها الشيب، وعيون كعيون القطط، يمتلك طاقة وفطنة وعبقرية. كان شخصا مذهلا، جزارا وعادلا في آن، حازما يرهب أعداءه بشجاعته ودمويته.

ولد الصبي الذي سيعرف لاحقا باسم جنكيز خان على ضفاف نهر صغير في سهوب منغوليا، حيث عاشت القبائل المغولية في القرن الثاني عشر، ضمن جماعات تقوم على روابط القرابة، يرأس كل واحدة منها خان أو زعيم. أطلق عليه في البداية اسم تيموجين، بمعنى الاندفاع والإلهام. عاش المغول حياة قبلية، لكنهم لم يكونوا معزولين عن العالم؛ فقد كان التجار المسلمون والصينيون والهندوس والمسيحيون، يعبرون أراضيهم، حاملين معهم السلع والأفكار والثقافات.
عاش تيموجين طفولة قاسية بعد وفاة والده وتخلي عشيرته عنه في البراري. اضطر إلى الصيد لإطعام نفسه وأخوته، وكان المغول عموما بارعين في استخدام القوس، فكان يقضي ساعات طويلة في الصيد، يفكر بمستقبله وبواقع العشائر المغولية المنقسمة، في تلك المرحلة، لم يتجاوز حلمه تحسين أوضاع عشيرته، لكن أحداثا صغيرة قادرة أحيانا على قلب مسار التاريخ. ففي إحدى الليالي، هاجمت قبيلة أخرى مضاربهم، فهرب تاركا خطيبته خلفه، لتعلن تلك اللحظة بداية عالم جديد. قرر عندها أن يتحول إلى محارب قوي، وأن يدخل لعبة الحرب القاسية التي حاول طويلا تجنبها. شيئا فشيئا، بدا يجمع القبائل حوله، وحمل لقب جنكيز خان. وكان اللافت أنه خالف تقاليد المجالس المغولية القائمة على القرابة، وراح يعين رجاله بناء على القدرة والولاء، وليس على النسب فحسب. توسع نفوذه في عالم السهوب، وسيطر على مساحات شاسعة تعرف اليوم بآسيا الوسطى، شملت مناطق من الصين ومنغوليا وروسيا وإيران وأفغانستان، واطلق عليها اسم «منغول أولوس»، أي الإمبراطورية المغولية العظمى.
رغم أن جنكيز خان ظل يعيش في خيمته بين قبيلته، فإن امبراطوريته لم تكن بدائية كما صورها الآخرون. فقد أصدر منذ البداية قرارات هدفت إلى تنظيم المجتمع، أبرزها المساواة بين الأطفال الشرعيين وغير الشرعيين، وهو قرار شديد الجرأة في مجتمعات عرفت الاغتصاب والاختلاط السكاني بسبب الحروب. كما شدد على حماية الملكيات، خاصة المواشي والخيول، واعتبر سرقتها جريمة كبرى. وأقر نظاما للتعامل مع المفقودات، وأصدر مرسوما يمنح الحرية الدينية الكاملة، وأعفى الزعماء الدينيين من الضرائب، وسمح للحرفيين بالعمل دون أعباء مالية.
مع توسع الإمبراطورية، انتشرت سمعة جيوش المغول بوصفها جيوشا مرعبة، تدمر الحصون وتقتل أهل القرى أحيانا لنشر الرعب. غير أن بعض المؤرخين يرون اليوم أن هذه الوحشية لم تكن نابعة من العنف وحده، بل من التفوق العسكري والتقني، بما في ذلك استخدام تقنيات صينية جديدة لتدمير القلاع. ومع ذلك، كان جنكيز يأمر بوقف القتال فور استسلام المدن.
في سنواته الأخيرة، حاول جنكيز خان أن يترك وصايا واضحة لأبنائه، حذرهم فيها من الغرور وكثرة الكلام والسعي وراء حياة الترف، معتبرا أن القائد الذي ينسى هدفه سيفقد كل شيء. وبعد وفاته عام 1227 خلفه ابنه أوقطاي خان، الذي واصل التوسع، وأسس عاصمة قراقورم، وطور النظام الإداري والبريدي، لكنه انساق لاحقا إلى الترف الذي حذر منه والده. مع استمرار التوسع، وصل المغول إلى أوروبا الشرقية، وخلفت انتصاراتهم حالة ذعر واسعة. غير أن إحدى نتائج هذه الغزوات ستنعكس عليهم لاحقا، حين سمحوا ببيع أسرى من الشعوب التركية للتجار الإيطاليين، الذين نقلوهم إلى أسواق البحر المتوسط، ليصبحوا لاحقا نواة الجيوش المملوكية التي ستوقف زحف المغول.
لاحقا، ظهر هولاكو على مسرح الأحداث، وقاد الحملات التي انتهت بالقضاء على الحشاشين، ثم سقوط بغداد عام 1258. ورغم الدمار الكبير، تشير بعض الروايات إلى أن المغول نقلوا جزءا من التراث العلمي إلى أماكن مختلفة. وبعد ذلك، أعادوا تنظيم بغداد ضمن دولة الإيلخانيين، مع الحفاظ على جزء من الجهاز الإداري السابق.

في نهاية القرن الثالث عشر، اعتنق غازان خان الإسلام، وهو تحول حمل أبعادا سياسية وثقافية، وسرعان ما أصبح الإسلام جزءا من هوية المغول في العراق وإيران. ومع استقرارهم، وفّر المغول طرقا آمنة للتجارة والسفر، ما أتاح للتجار والرحالة، مثل ابن بطوطة، التنقل عبر مساحات شاسعة، وأسهم في انتشار الثقافة العربية والإسلامية في آسيا. غير أن هذا الاستقرار حمل في طياته بذور الانهيار. فمع تخلي النخبة المغولية عن حياة الترحال، واعتمادها على تقاليد جديدة في العيش، بدأت الهوية القديمة تتلاشى، وظهرت الفروق الطبقية، وضعفت القوة العسكرية التي قامت عليها الإمبراطورية.
سيتراجع دورهم لاحقا، مع ذلك فإن المراجعات الجديدة في حقل دراسات التاريخ المغولي تظهر أن تاريخهم كان أعقد من الصور النمطية التي بقيت دارجة ليومنا هذا، وربما لزمن طويل آخر .

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

14 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.