«تاريخ روتليدج للموضة»: عن ترقيع الجوارب وغسل الثياب

الأربعاء, November 26, 2025
كاتب المقالة: 

رغم صدور عشرات العناوين والموسوعات في السنوات الأخيرة حول تاريخ الموضة والأزياء في الغرب والعالم، فإن هذا النوع من الكتب لا يتوقف عن التدفق في دور النشر الغربية، ولا يبدو أنه بلغ حدّ الاكتفاء. فما من عام يخلو من إصدارات جديدة وثرية في هذا المجال، كما نرى مثلا في «تاريخ روتليدج للموضة واللباس من القرن التاسع عشر حتى الحاضر»، الصادر عام 2025، والذي يقدم قراءات مبتكرة في تاريخ اللباس، من دراسة تاريخ غسل الثياب، إلى تاريخ البالة ورقع الملابس، وصولا إلى وضع اللباس في فترات الفاشية، وغيرها من الزوايا المتعددة.
اللافت في هذه الموسوعة الجديدة، كما يوضح المشرفان على تحريرها، فيرونيك بوليار أستاذة في جامعة أوسلو، ومؤلفة كتاب «من باريس إلى نيويورك: صناعة الموضة العابرة للأطلسي في القرن العشرين»، وفنسنت دوبيه مؤلف كتاب «الموضة الفرنسية: أداة نفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية»، أنها تأتي في سياق التحولات العميقة التي عرفها عالم الموضة في السنوات الأخيرة، جائحة كوفيد، الحرب في أوكرانيا وما خلّفته من اضطراب في الطاقة والتجارة، إلى جانب الوعي المتزايد بتغير المناخ وتأثيراته على عادات الاستهلاك. ومع كل هذه التحديات، لا تزال الموضة واحدة من أكثر الصناعات ديناميكية عالميا؛ بل إن قطاع الفخامة كان المحرك الأكبر لتعافي الصناعة بعد الجائحة، وقد استعادت وتيرة نموها بسرعة فاقت التوقعات.

المؤرخون والموضة

خلال العقود الماضية أصبح تاريخ الموضة والملابس مجالا متقدما للأبحاث الأكاديمية؛ فهو يقع عند تقاطع تخصصات عدة، ويستلزم بناء جسور بين التاريخ الثقافي ودراسات الموضة، والتاريخ الاقتصادي، وتاريخ الفن، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والدراسات الثقافية، ودراسات النوع الاجتماعي. وقد أدى هذا الزخم البحثي إلى تجدد الاهتمام ليس فقط بقطع الملابس نفسها، بل أيضا بالتاريخ الاقتصادي للموضة. فمنذ كارل ماركس حتى بيير بورديو، كان يُنظر إلى الأزياء العصرية بوصفها مثالا على «عبادة السلعة» حيث تختفي ظروف الإنتاج خلف سطوع التسويق والصورة. هنا بدأ المؤرخون في إعادة قراءة التاريخ الاقتصادي للموضة، من خلال الكشف عن الفاعلين الأقل حضوراً في الصناعة، في محاولة لربط تاريخ الموضة مجددا بسلاسل الإنتاج. وفي السنوات الأخيرة، اندفع باحثون ومؤرخون نحو تجاوز القراءة الماركسية التقليدية للملابس، واقترحوا التركيز على موضوعات جديدة مثل، علاقة الموضة بالسياسة، وتاريخ شركات الأزياء، ودور الآلات في تغيير تاريخ الموضة، وتأثير الهجرة في تطور هذا الحقل، ودور المهاجرين في عولمة بعض الأزياء. ونظراً لتعدد المشاركات في الموسوعة، سأتوقف عند موضوعين يقدمان إعادة قراءة لافتة لتاريخ اللباس.
الدراسة الأولى بعنوان «الترقيع وإصلاح الملابس»، اذ ترى معدة الموضوع آنا كونيغ محاضرة في جامعة بورنماوث للفنون، أن موضوع الترقيع والإصلاح، رغم أنه ركن أصيل من تاريخ اللباس، ظل مهمشا إلى حد كبير. فالتحيز الأكاديمي التقليدي نحو ملابس الطبقات الثرية والبيضاء جعل من أعمال الإصلاح عملاً « غير مرئي» وغالبا ما اعتُبر نشاطاً ثانويا أو غير مهم للبحث. إلا أن دراسة تاريخ إصلاح الملابس تكشف خطابا بالغ الأهمية لفهم تطور الإنتاج الصناعي للموضة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم. ووجود هذا الموضوع في الموسوعة، يعكس تغيراً مهماً في تصور التاريخ الثقافي للموضة؛ إذ لطالما سيطر مبدأ «الجديد» على عالم الأزياء، فيما جرى تجاهل تاريخ الإصلاح والحفاظ على الملابس، رغم أنه جزء جوهري من دورة حياة اللباس. ورغم الاعتقاد السائد بأن الترقيع تراجع مع انتشار صناعة النسيج خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تؤكد الباحثة أنه ظل حاضراً دائماً، وإن بصور متعددة وبدوافع مختلفة، ولذلك سعت إلى تتبع أبرز تحولات الترقيع بين عام1800 والحاضر، وفهم قيمته الرمزية والاجتماعية وتغيرها.

تبين الباحثة أن السجلات التاريخية للترقيع نادرة، ربما لأن هذا العمل ممل ومتكرر بطبيعته. ففي القرن التاسع عشر، كانت الأسر من الطبقات الوسطى والغنية توكل هذا العمل للخدم، وبالتالي نادراً ما وُثّقت أنشطة الإصلاح اليومية. أما النساء اللواتي كنّ يعملن في غسل وترقيع الملابس لكسب القوت، فهن أيضا لم يخلّفن سجلات دقيقة حول ما كنّ يصلحنه. بين عام 1937 وبداية الخمسينيات، يظهر بعض التوثيق في أرشيف الملاحظة الجماعية في المملكة المتحدة، حيث سجّل أفراد من مختلف الطبقات، في يوميات واستطلاعات وتقارير، تفاصيل الحياة اليومية بما فيها إصلاح الملابس. وتشير الباحثة أيضا إلى أن إصلاح الملابس لا يمكن فصله عن سلسلة أعمال أخرى متعلقة بالنسيج: من فرز الخرق والغسيل، إلى ترقيع الثقوب، وتعديل الملابس، وإعادة تشكيلها، وصولاً إلى إعادة تصنيعها بالكامل. لذلك فإن أدبيات الخياطة المنزلية تقدم الكثير من القرائن لفهم ثقافة الترقيع.
قبل الانتشار الصناعي، كان الترقيع جزءاً أساسياً من الاقتصاد المنزلي. فقد كانت الأقمشة باهظة الثمن، والملابس تُصنع لتدوم، والبيوت مليئة بالعوامل التي تتسبب بتمزق الملابس، من نار المواقد إلى المصابيح الزيتية. اللافت في هذه الفترة (القرن التاسع عشر) أنها احتوت على كتب مليئة بإرشادات عن تقنيات الترقيع والخياطة، وبالأخص ترقيع الجوارب، وهو ما يكشف القيمة المركزية لهذه المهارة في الحياة اليومية. كما أن الترقيع لم يكن حكرا على النساء؛ فالكثير من الرجال، خاصة البحارة، كانوا يعدّونه جزءاً ضروريا من حياتهم المهنية، وغالبا ما خصصوا يوم الأحد لهذا العمل. وقد بقي الترقيع المنزلي جزءاً من الحياة اليومية في بدايات القرن العشرين. وتشير دراسات الحياة المنزلية في لندن خلال هذه الفترة إلى أن النساء كنّ يمضين ساعة أو أكثر كل مساء في إصلاح ملابس الأسرة. لاحقاً اكتسب الترقيع منزلة خاصة خلال الحرب العالمية الثانية في بريطانيا، حين ارتقى الترقيع، إلى مرتبة الفعل الوطني، وبدا الإصلاح طريقة فعّالة لدعم الجهد الحربي في ظل نقص المواد الخام. لكن مع انتشار الملابس الرخيصة في النصف الثاني من القرن العشرين، تراجعت مهارات الترقيع، حتى إن البعض أعلن «انقراضه» تقريبا، إلا أن المؤلفة تعتقد أن هذه الرؤية أيضا غير دقيقة، لأسباب منها انتشار الحروب في العالم، وأيضا ظهور موضة الثياب المرقعة.

تاريخ غسل الثياب
أما الدراسة الثانية التي سأتوقف عندها فهي بعنوان «غسل الثياب»، التي تحاول دراسة هذا الجانب من خلال عدسة تاريخ النرويج. وطالما كانت الملابس النظيفة عنصراً أساسيا للصورة الاجتماعية وللشعور بالراحة والقبول؛ فهي حاجز بين الجسد والعالم، وفي الوقت نفسه تحمي الآخرين من روائح الجسم وأثره. النظافة هنا مفهوم متجذر في الدين والثقافة والصحة، وكان لها دور أساسي في مكافحة الأمراض المعدية مثل السل. وقد شهد مفهوم «الملابس النظيفة» تحولا كبيراً عبر الزمن؛ ففي القرن التاسع عشر كان الثوب يُعد نظيفا إذا كان خاليا من الثقوب والبقع، وكانت التهوية وإزالة البقع يدويا أهم أدوات النظافة. أما اليوم، فأصبحت الرائحة معيار النظافة الأول، والملابس تُغسل حتى قبل ظهور علامات الأوساخ. كما ارتبطت نظافة الملابس بنظافة الجسد: ففي القرن التاسع عشر كان غسل الجسد الكامل نادرا، بينما أصبح اليوم عادة يومية لدى كثير من الناس، وهو ما انعكس على ممارسات الغسل وتسارع وتيرته.

من منتصف القرن التاسع عشر بدأ استخدام الأقمشة القطنية، المدعوم بتجارة الاستعمار والعبودية والمزارع، يحل محل الجلد والصوف، فأصبح القطن أول ألياف رخيصة ومتاحة، ما غيّر جذريا عادات اللباس والغسيل. وزادت مع ذلك كمية الملابس، وتنوّعت المفروشات، وازدادت مرات الغسل. مع القرن العشرين، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، دخلت الغسالة المنزلية سريعا إلى البيوت النرويجية. ورغم تصويرها كوسيلة لتخفيف عبء النساء، إلا أن ارتفاع معايير النظافة المترافقة قد زاد في الواقع من حجم العمل المطلوب. وأدخلت الألياف الصناعية لاحقا أنماطاً جديدة من الغسيل بدرجات حرارة أقل، كما قللت الملابس المحبوكة الحاجة إلى الكي. بعد الخمسينيات، ازداد حجم الغسيل بسبب كثرة الملابس، وزيادة قابلية الأقمشة للغسل، وتغير عادات تبديل الملابس والمناشف. ولم يعد معيار «البياض الناصع» أولوية كما في الخمسينيات والستينيات، بعد انتشار الملابس الملونة، وتطور الأقمشة المقاومة للبقع.
وعلى الرغم من هذا التطور الهائل في أدوات وتقنيات الغسيل، ظل الغسيل عملا منزليا يشارك فيه الجميع، وبقي يشكّل العبء الأكبر ضمن أعمال المنزل، خصوصا بالنسبة للنساء. ما نصل إليه من خلال هذا الفصل أن للغسيل تاريخ، وأن ظهور فكرة الثياب النظيفة ليست فكرة قديمة، بل هي فكرة حديثة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في تاريخ النظافة، وصور من التاريخ الاجتماعي والديني عموما في أوروبا وباقي دول العالم.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.